الشيخ محمد رشيد رضا

189

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولا كسب لاحد من المبلغين لها في تأليف عبارتها لا جبريل ولا محمد عليهما السّلام ولا الصحابة الذين بلغوها للتابعين قولا وكتابة ، ولا يقتضي هذا تأويل الكلام الإلهي ولا تعطيله ولا حدوثه ، ولا تشبيهه بكلام خلقه . كما أن علمه تعالى لا يشبه علم خلقه ، ولا يقتضي أيضا ان نكون قد أدركنا كنه هذه الصفة بفهمنا لما بلغنا تعالى إياه من علمه بها ، كما أن اطلاعه إيانا على ما علمه في الأزل وفيما لا يزال من كونه أحدا صمدا لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد - لا يقتضي ادراك كنه علمه بذلك . بل نحن لم ندرك كنه كلامنا في أنفسنا ولا في الهواء ولا في غيره مما ذكر آنفا كذلك نقول إن ما ثبت في الصحاح من تجلي الرب تعالى في الصور المختلفة وتعرفه لمن شاء ببعضها دون بعض لا يقتضي حدوثه ولا مشابهته للصور ولا لحجاب والنور ولا لغيره من خلقه ولا ادراك كنهه عز وجل . ومعرفة المؤمنين له ببعضها دون بعض كمعرفة بعضهم لكلامه بتبليغ اللسان دون الكتابة أو بالكتابة دون اللسان ، وكل ذلك كمال له وانما النقص ما تخيله نفاة الرؤية والصفات من جعل الخالق تعالى معنى سلبيا ( تتمة السياق في الرؤية والكلام ) * * * أخبرنا اللّه تعالى في الآيات السابقة بأنه منع موسى رؤيته يعني في الدنيا وبشره بأنه اصطفاه على أهل زمانه برسالته وبكلامه ، ثم أخبرنا فيها بما آتاه يومئذ بالاجمال فقال وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ أي اننا أعطيناه ألواحا كتبنا له فيها من كل نوع من أنواع الهداية موعظة من شأنها أن تؤثر في القلوب ترغيبا وترهيبا - وتفصيلا لكل نوع من أصول التشريع وهي أصول العقائد والآداب وأحكام الحلال والحرام ، وتفصيلها ذكرها معدودة مفصولا بعضها من بعض . واسناد الكتابة اليه تعالى إما على معنى أن ذلك كان بقدرته تعالى وصنعه لا كسب لاحد فيه ، وإما على معنى أنها كتبت بأمره ووحيه سواء كان الكاتب لها موسى أو الملك ( عليهما السّلام ) قال بعض المفسرين إن الألواح كانت مشتملة على التوراة وقال بعضهم بل كانت قبل التوراة